نذير حمدان
132
حكمة القرآن والحضارة
وواضح أن ( تعليم ) القرآن أيضا لا يقتصر على ( التحفيظ ) ومجرد ( التلقي ) كما أسلفت ، فإن التعليم عملية مركبة تتجاوز استظهار الآيات إلى البناء النفسي العام والاجتماعي الشامل ، ولو أنه اقتصر على تربية الذاكرة وحدها لقال ( ويحفظهم ) مثلا ، بدلا من ( يعلمهم ) ، فقد جاء في رواية ابن مسعود وغيره : علّمنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم التشهّد كما يعلّمنا السورة من القرآن « 1 » وأحاديث كثيرة . ويمكن القول : إنّ سمات التعليم النبوي تبرز في الشمولية والواقعية النفعية والخيرية والعملية والاستمرارية كما سيأتي نماذج منه . وهي سمات واضحة الحضور غالبا في كلّ مسألة تعليمية يعلّمها بعض الصحابة ويعلّم معها شيئا من حكمتها الظاهرة ، وقد يبحث بعضهم عن حكمتها الخفية ، وهؤلاء وأولئك ملتزمون بما تعلموه مطبقون لما فهموه . وفي المقدمة تتجمع هذه السمات في تعليم القرآن الذي وصفه اللّه بالحكمة وضمنه بها وأنزله من الحكيم الخبير . ولذا فقد فسر بعض العلماء الحكمة بأنها القرآن أو تفسيره ضمن هذه السّمات . فقد وجّهه اللّه إلى الموضوعية والأمانة للوصول إلى الحقيقة بعيدا عن أهوائية الناس ( البقرة 120 ) فلا ولاية ولا نصرة للمتحيزين ، إذ إنها من ظلم العلم وتجاوز الأمانة ( البقرة 145 ) وعندئذ يفتقد التأييد ويسبب وقوعه في الزلل ( الرعد 37 ) ، وإذا حقّ للرسول أن يستزيد من الفضائل فإن العلم في مقدمتها فإنه يطلب المزيد والمزيد ( طه 114 ) وفي هذا توجيه للعلماء والحكماء ألّا يقفوا في معارفهم عند حدّ ، وأصرح منه ربط الحكمة بالحق والعلم بصحة ما أنزل على الرسول من الكتاب والحكمة ( سبأ 6 ) ، ومن أهل الكتاب علماء يعرفون الحق حقا فيتبعونه ، بينما يعرض الكثيرون عنه ، فالإيمان ثمرة العلم بالحقّ ، والجحود إنكار للعلم والإيمان ( الحج 54 ) . وإذ إن العلم لا يقف عند حدّ فإن العلماء يتفاوتون في الحكمة مثل تفاوتهم في المعارف ( يوسف 76 ) . فهناك العالم والعليم ولا يستويان . والمعروف أن ( السنة ) أضخم حجما من القرآن باعتبارها تفسيرا وتفصيلا له ، وأنها تشمل المثل الأعلى في البشرية والقدوة في كل مجالات الحياة التي تمثل فيها الرسول ( خلق ) القرآن
--> ( 1 ) النسائي 2 / 241 و 242 .